إخوان الصفاء
100
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
وقالوا لمحمد ، صلى اللّه عليه وسلم : « لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك جنة من نخيل وعنب » إلى قوله : « حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه » وهم « الذين كانوا من الذين آمنوا يضحكون ، وإذا مروا بالمؤمنين كانوا يتغامزون ، وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالّون . » وآيات كثيرة في القرآن في ذم هذه الطائفة المجادلة . فهذه حالهم وحكمهم إذا كانوا في مبعث أزمان الأنبياء عليهم السلام . وأما إذا كانوا من بعد ذلك فهم الذين يقرأون شرائع الأنبياء وأحكام سننهم سواء يكونون من أعدائهم المخالفين أو من أتباعهم المنافقين ، وذلك أنهم إذا كانوا من أعدائهم فهم الذين يأتون بالشّبهات ويجادلون بها المؤمنين ، وإن كانوا من أتباعهم فهم الذين ينكرون من أحكام شرائعهم وآيات كتبهم ما لا يفهمون ، ويجحدون ما يقصر علمهم عن تصور مرموزاتهم ودقائق أسرارهم ، ثم يعتقدون فيها آراء فاسدة ومذاهب مختلفة ، ويضعون لها قياسات متفاوتة بعقولهم الناقصة ، ويجادلون بها المؤمنين ويناقضونهم ، ويحتجون بآيات من كتب الأنبياء ، عليهم السلام ، بغير علم ، ويفسّرون معانيها على ما يوافق مذاهبهم وآراءهم وقياساتهم ، حتى ربما يقولون إن في حجج العقول كفاية عما جاءت به الأنبياء من الوصايا . ثم يستمر بهم ذلك حتى إنهم ربما ينبذون أحكام كتب الأنبياء وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون . « واتبعوا ما تتلو الشياطين » في أوهامهم من الوساوس والخيالات ، وهم مع ذلك يتعاطون المعقولات ، وهم لا يعرفون حقائق المحسوسات . ويتكلمون في العلوم الإلهيات ، وهم لا يدرون ما الرياضيات ، ولا علم الفلسفة يعرفونها ، ولا أحكام الشريعة يحققونها : « مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء » لا بالفلسفة يتهذّبون ولا بالشريعة يهتدون . فلو أنهم علموا بأن اللّه ، عز وجل ، إنما جعل العقل مقدّمة أمام الرسالة والوحي ، وجعل الوحي والرسالة أيضا مقدّمة أمام البعث والقيامة ، وجعل البعث والقيامة أيضا مقدّمة للغاية ، لما قالوا بأن في موجبات العقل كفاية